ابن عربي
147
فصوص الحكم
أدباً مع المستفهم ، ولو لم يفعل ذلك ( 1 ) لاتصف بعدم علم الحقائق وحاشاه من ذلك ، فقال « إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به » وأنت المتكلم على لساني وأنت لساني . فانظر إلى هذه التنبئة ( 2 ) الروحية الإلهية ما ألطفها وأدقها ، « أَنِ اعْبُدُوا الله » فجاء بالاسم « الله » لاختلاف العبَّاد في العبادات واختلاف الشرائع ، لم يخص اسماً خاصاً دون اسم ، بل جاء بالاسم الجامع للكل . ثم قال « رَبِّي ورَبَّكُمْ » ، ومعلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر ، فلذلك فصّل بقوله « رَبِّي ورَبَّكُمْ » بالكنايتين كناية المتكلم وكناية المخاطب . « إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به » فأثبت نفسه مأموراً وليست سوى عبوديته ( 3 ) ، إذ لا يؤمر إلا من يتصوَّر منه الامتثال وإن لم يفعل . ولما كان الأمر ينزل بحكم المراتب ، لذلك ينصبغ كل من ظهر في مرتبةٍ ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة : فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كل مأمور ، ومرتبة الآمر لها حكم يبدو في كل آمر . فيقول الحق « أَقِيمُوا الصَّلاةَ » فهو الآمر والمكلَّف والمأمور . ويقول العبد « رَبِّ اغْفِرْ لِي » فهو الآمر والحق المأمور . فما يطلب الحق من العبد بأمره هو بعينه يطلبه ( 4 ) العبد من الحق بأمره ( 5 ) . ولهذا كان كل دعاء مجاباً ( 6 ) ولا بد ، وإن تأخر كما يتأخر بعض المكلفين ممن أقيم مخاطباً بإقامة الصلاة فلا يصلي في وقت فيؤخر الامتثال ويصلي في وقت آخر إن كان متمكناً من ذلك . فلا بد من الإجابة ولو بالقصد . ثم قال « وكُنْتُ عَلَيْهِمْ » ولم يقل على نفسي معهم كما قال ربي وربكم . « شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » لأن الأنبياء
--> ( 1 ) « ا » و « ب » : كذلك ( 2 ) هذه هي قراءة القيصري وقد أخذت بها ( شرح القيصري ص 268 ) . أما المخطوطات الثلاثة فتقرؤها : التثنية وهي قراءة يخطئها هذا الشارح ( 3 ) ا : عبودية ( 4 ) يطلب : في المخطوطات الثلاثة ( 5 ) أي أمر العبد ( 6 ) « ن » و « ا » : يجاب .